على حافة النار.. سكان «الخط الأصفر» يواجهون العطش والجوع بلا إغاثة

على حافة النار.. سكان «الخط الأصفر» يواجهون العطش والجوع بلا إغاثة
تقارير وحوارات

غزة/ سماح المبحوح :
على مقربة من المناطق التي يصفها السكان بـ»حافة النار»، تعيش آلاف الأسر المحاذية لما يُعرف بـ»الخط الأصفر» شرق قطاع غزة واقعًا إنسانيًا قاسيًا، بعدما تحولت مناطق سكنهم إلى مساحات شبه معزولة يصعب على فرق الإغاثة الوصول إليها، في وقت يفتقدون فيه أبسط مقومات الحياة من مياه صالحة للشرب وغذاء ودواء.

ولا تقتصر معاناة هؤلاء السكان على آثار الحرب والدمار، بل يواجهون خطرًا يوميًا بسبب قربهم من مواقع انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي دفع العديد من المؤسسات الإنسانية إلى تقليص أو تعليق عملياتها في تلك المناطق خشية تعرض طواقمها للاستهداف، لتبقى الأسر العالقة هناك في مواجهة الجوع والخوف بمفردها.
وتفاقمت الأزمة مع استمرار توسيع الاحتلال لما يُعرف بـ»الخط الأصفر» داخل مناطق واسعة من قطاع غزة، على حساب الأحياء الشرقية، ما أدى إلى تضييق المساحات المتاحة للسكان، ودفع أعداد إضافية منهم إلى النزوح القسري بعيدًا عن مناطقهم.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025 قد نص على بقاء القوات الإسرائيلية في حدود 53% من مساحة قطاع غزة خلال المرحلة الأولى، تمهيدًا للانسحاب التدريجي، إلا أن استمرار التوسع الميداني أدى إلى تغيرات على الأرض، وسط تقديرات بوصول مساحة السيطرة الإسرائيلية إلى أكثر من 60% من مساحة القطاع، وفق مصادر وتقارير إعلامية.
مناطق خارج نطاق الإغاثة
وحذرت جهات أممية من صعوبة الوصول إلى السكان المقيمين بالقرب من الخط الأصفر، مؤكدة أن استمرار انعدام الأمن يعرقل إيصال المساعدات الأساسية، بما يشمل المياه والغذاء والخبز ومواد النظافة والخدمات الإنسانية اليومية.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إن الشركاء في المجال الإنساني يواجهون تحديات كبيرة في الوصول إلى المجتمعات القريبة من هذه المناطق، بسبب المخاطر الأمنية، مشيرًا إلى أن بعض الأسر باتت تلازم خيامها معظم ساعات اليوم خشية التعرض لإطلاق النار أو القصف.
ويقول نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق إن انعدام الأمن يعرقل بشدة وصول المساعدات الإنسانية الأساسية إلى تلك المناطق، بما فيها المياه والغذاء والخدمات الضرورية، في ظل مخاوف متزايدة لدى العاملين في المجال الإنساني من تعرضهم للخطر.
«نتحمل الجوع ولا نترك الأرض»
على أطراف ما يُعرف بـ»الخط الأصفر» في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، يعيش الستيني فايز أبو راشد داخل خيمة بلاستيكية أقامها فوق أنقاض منزله المدمر، متحديًا ظروفًا قاسية تجمع بين نقص الطعام والمياه والخوف الدائم من الاستهداف.
كان أبو راشد يمتلك منزلًا واسعًا قبل الحرب، لكنه اليوم يعيش في خيمة متهالكة قرب منطقة انتشار القوات الإسرائيلية، بعدما اختار البقاء فوق أرضه رغم صعوبة الظروف.
يقول: «بتحمل الجوع والخوف وقلة العلاج والأدوية، ولا بتحمل يسرقوا مني أرضي».
ويضيف أن سكان المنطقة يعيشون ظروفًا استثنائية، إذ يضطرون إلى السير لمسافات طويلة بحثًا عن مياه الشرب أو الحصول على وجبة غذائية من المطابخ المجتمعية، في ظل غياب شبه كامل للخدمات الأساسية.
ويتابع: «الحياة هنا أصبحت جحيمًا، نحن بين نارين؛ نار الخوف من الرصاص، ونار الحاجة إلى أبسط الأشياء التي يحتاجها الإنسان».
ويشير أبو راشد إلى أن استهداف الاحتلال سابقًا لصهاريج المياه التي كانت تصل إلى المنطقة رغم التنسيق مع جهات دولية، دفع العديد من المؤسسات والمبادرات الإغاثية إلى التراجع عن العمل هناك، خوفًا على حياة العاملين فيها، ما ترك السكان أمام أزمة مياه متفاقمة.
توسع ميداني يفاقم الأزمة
وشهدت مناطق عدة في قطاع غزة توسعًا لما يُعرف بالخط الأصفر، حيث أشارت تقارير إعلامية إلى أن هذا التوسع أدى إلى إدخال مناطق مدنية ضمن نطاقات عسكرية، ما جعل بعض السكان يستيقظون ليجدوا أنفسهم داخل مناطق تهددهم بالاستهداف.
وتشير تقارير إلى أن الخط الأصفر لا يقتصر على علامات ميدانية ثابتة، بل يتغير مع تحركات القوات الإسرائيلية وإنشاء سواتر ترابية ومواقع عسكرية جديدة، الأمر الذي يزيد حالة عدم اليقين لدى السكان المقيمين بالقرب منه.
كما يبرز ما يسمى بـ»الخط البرتقالي»، وهي منطقة أمنية غير واضحة المعالم تمتد لمسافات متفاوتة خلف الخط الأصفر، حيث تعتبر القوات الإسرائيلية أي وجود فلسطيني فيها تهديدًا محتملًا، ما يزيد من القيود المفروضة على حركة المدنيين.
حياة معلقة بين النزوح والبقاء
ويواجه أكثر من مليون فلسطيني في قطاع غزة تداعيات النزوح القسري، وسط صعوبة توفير المأوى والمياه والغذاء والخدمات الصحية، بينما يجد السكان القريبون من الخط الأصفر أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: الرحيل عن أراضيهم رغم ارتباطهم بها، أو البقاء في مناطق تفتقد للأمان وأبسط مقومات الحياة.
وبين خيمة فوق الركام، وجرعة ماء يصعب الوصول إليها، ووجبة غذاء تنتظر طريقًا محفوفًا بالمخاطر، تستمر معاناة «سكان الخط الأصفر» الذين يعيشون يومياتهم على هامش المساعدات، وفي قلب منطقة تحولت فيها الحياة إلى اختبار دائم للبقاء.

التعليقات : 0

إضافة تعليق